بقلم: عمر عبدالسيد
بينما كنا نثبت الملصق الإعلاني للمخيم المجاني بمستشفى أم درمان التعليمي، كان رجل سبعيني يراقبنا بصمت. وما إن انتهينا من تثبيت الملصق وجمعنا الورقة الخلفية اللاصقة، حتى نهض بخطوات هادئة، ومد يده طالباً إياها ليضعها في سلة المهملات، ثم ابتسم وقال: “يا ولدي… خليني أعتبرها مساهمة معاكم في العمل الجليل دا.”
كانت جملة عابرة، لكنها اختصرت معنى التطوع. فليس كل الناس يملكون المال أو الخبرة الطبية، لكن الجميع يستطيع أن يشارك في فعل الخير، ولو بإزالة أذى صغير من الطريق.
هذه هي روح مخيمات جراحة المسالك البولية ومناظير الجهاز الهضمي التي ينفذها صندوق إعانة المرضى الكويتي. لم تعد مجرد برنامج طبي لإجراء العمليات، بل أصبحت مساحة يجتمع فيها الأطباء والمتطوعون والداعمون والمرضى حول هدف واحد: إعادة الأمل لمن أنهكهم المرض.
المخيم الرابع، الذي احتضنه مستشفى أم درمان التعليمي في يوليو الجاري، بالشراكة مع رابطة الأطباء السودانيين بدولة قطر والهلال الأحمر القطري، جاء امتداداً لسلسلة من المخيمات الناجحة؛ بدأ أولها في ولاية الجزيرة، ثم الثاني في كسلا، والثالث في كسلا والخرطوم، ليواصل الرابع مسيرة العطاء في ولاية الخرطوم والولاية الشمالية.
وخلال هذه المخيمات أُجريت أكثر من 700 عملية جراحية، إلى جانب آلاف الاستشارات الطبية، شملت حالات معقدة كانت قد توقفت لفترات طويلة داخل السودان بسبب الظروف التي مرت بها البلاد. لكن الأرقام، على أهميتها، لا تروي القصة كاملة، فخلف كل عملية؛ مريض استعاد حياته، وأسرة عاد إليها الاطمئنان، وإنسان تبدد عنه ألم لازمه سنوات.
وأثناء جولات تسجيل المرضى التي خُططت بعناية حيث توزعت بين مستشفى ابن سينا بمحلية الخرطوم ومركز الشقيلاب الطبي بمحلية جبل الأولياء ومركز الفاروق الطبي بمحلية شرق النيل ومركز السلامة الطبي بمحلية أم درمان فضلا عن العيادات بمستشفى أم درمان التعليمي، هذا التوزيع الجغرافي أسهم في توفير الخدمة في الوسط والمناطق الطرفية تيسيراً وتسهيلاً للمرضى، في هذه العيادات.
التقينا بأناس حملوا معهم حكايات من الوجع والألم. مرضى قدموا من مدينة الأبيض بشمال كردفان بعد رحلة استغرقت أربعة أيام للوصول إلى الخرطوم، وآخرين من الجزيرة وولايات الشرق، ونازحين من دارفور. لكل واحد منهم قصة، لكن الألم كان لغة مشتركة بينهم جميعاً. بعضهم عاش سنوات وهو يعاني صعوبة في التبول أو تكراره بصورة مؤلمة، وآخرون لم يتم تشخيص حالتهم بصورة صحيحة وكثيرون كانوا يؤجلون العلاج لعدم قدرتهم على تحمل تكلفته أو لغياب الخدمة. كانت المعاناة أكبر من أن تُروى، لكنها كانت أيضاً أكبر دافع لبذل المزيد.
وراء هذا النجاح أسابيع طويلة من العمل المتواصل. فقبل أن تُفتح أبواب العيادات أو تُجرى أول عملية، كانت هناك اجتماعات يومية امتدت لأكثر من أربعة أسابيع، تنسيق دقيق بين الشركاء، وترتيبات لوجستية، ومتابعة لا تنقطع، حتى خرج المخيم بالصورة التي يستحقها المرضى.
وتستحق تجربة رابطة الأطباء السودانيين بدولة قطر أن تُسجل بوصفها نموذجاً وطنياً مضيئاً. فما قدمه الأطباء السودانيون في المهجر هو رسالة وفاء لوطنهم وأهلهم، وتجربة تؤكد أن الكفاءات السودانية، أينما كانت، قادرة على إحداث أثر عظيم عندما تتكاتف مع المؤسسات الوطنية والإنسانية. وهي تجربة تستحق أن تُحتذى من بقية روابط المهنيين السودانيين في مجالات التعليم والإعلام والهندسة والتقنية والصناعة وغيرها، عبر نقل المعرفة والتدريب وتبادل الخبرات مع الكوادر العاملة داخل السودان.
والأجمل أن هذه المسيرة لم تتوقف عند هذا الحد، إذ تستعد رابطة الأطباء السودانيين بدولة قطر لإطلاق مخيمات طبية جديدة في تخصصات متنوعة خلال الفترة المقبلة، استمراراً لرسالتها الإنسانية وخدمةً للمرضى في السودان بإذن الله تعالى.
ولعل الرسالة الأهم التي يبعث بها هذا المخيم هي أن المبادرات الإنسانية الكبرى تستحق كل أشكال الدعم الرسمي والمجتمعي لضمان استدامتها وتوسيع أثرها، حتى تصل الخدمة الطبية إلى كل محتاج.
ولم يكن حضور والي الخرطوم، والسفير القطري، وقيادات وزارتي الصحة الاتحادية والولائية والمفوضية، والمنسقة المقيمة للأمم المتحدة، ومنسق الشؤون الإنسانية في السودان، وبقية الشركاء، مجرد تشريف بروتوكولي، بل كان رسالة امتنان صادقة لكل من أسهم في إنجاح هذا العمل الإنساني، وتقديراً للجهود التي بُذلت خلف الكواليس حتى أصبح هذا الأمل واقعاً يعيشه المرضى.
وأخيراً… يبقى ذلك الرجل السبعيني حاضراً في الذاكرة. لم يكن طبيباً، ولا متبرعاً، ولا عضواً في اللجنة المنظمة، لكنه أراد أن يكون جزءاً من الخير. علّمنا أن قيمة الإنسان لا تُقاس بحجم ما يقدم، وإنما بصدق رغبته في المشاركة.
فشكراً لكل من أسهم في إنجاح هذا المخيم؛ بفكرة، أو رأي، أو جهد، أو دعم، أو دعاء. وثقوا أن كل ابتسامة عادت إلى مريض، وكل ألم زال، وكل حياة استردت عافيتها، هي ثمرة لتلك الجهود الصادقة (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) .


لا تعليق