Capture

 

من قرى الحصاحيصا إلى مستشفى المزيني التخصصي للأطفال.. رحلة شاقة تختصر معاناة الأسر السودانية في زمن الحرب، وتروي قصة أمل وعطاء طبي وإنساني.
لم يكن الطفل «المرضي»، البالغ من العمر سبعة أعوام، يعاني من أي مشكلات صحية، حتى باغتته (Guillain-Barré syndrome)، وهي حالة عصبية نادرة قد تتسبب في ضعف العضلات والشلل التصاعدي، وتصل في بعض الحالات إلى التأثير على القدرة على التنفس.
وفي وقت كانت فيه الحرب تبلغ ذروتها، وجدت الأسرة نفسها أمام تحدٍ قاسٍ لإنقاذ حياة طفلها. حمل الأب صغيره بين ذراعيه، وانطلق به من إحدى قرى محلية الحصاحيصا بولاية الجزيرة، في رحلة علاج شاقة امتدت مئات الكيلومترات، تنقل خلالها عبر وسائل ترحيل متعددة، بين السيارات والدواب، بحثاً عن مرفق طبي قادر على استقبال حالته الحرجة.
كانت الرحلة محفوفة بالمخاطر والمعاناة، حتى إن الجد والجدة فارقا الحياة خلالها، لتزداد محنة الأسرة التي واصلت طريقها، متشبثة بالأمل في إنقاذ طفلها.
وبعد رحلة طويلة، وصلت الأسرة إلى مدينة كسلا بشرق السودان، حيث كان مستشفى المزيني التخصصي للأطفال، التابع لصندوق إعانة المرضى الكويتي، الوجهة التي حملت معها بارقة أمل جديدة.
35 يوماً على أجهزة التنفس الصناعي
استقبل المستشفى الطفل «المرضي»، وأُدخل مباشرة إلى العناية المكثفة، حيث تطلبت حالته تدخلاً طبياً عاجلاً ورعاية دقيقة، شملت وضعه على أجهزة التنفس الصناعي لمدة 35 يوماً متواصلة.
وبفضل الله، ثم جهود الفرق الطبية والتمريضية، تحسنت حالته تدريجياً، وتمكن من الاستغناء عن أجهزة التنفس الصناعي، لينتقل بعدها إلى قسم العناية الوسيطة، حيث أمضى شهراً آخر تحت الملاحظة والرعاية الطبية المستمرة.
ومع استقرار حالته وتحسن وضعه الصحي، غادر الطفل المستشفى عائداً إلى مدينة ود مدني، ومنها إلى الحصاحيصا، لاستكمال رحلة التعافي والعلاج الطبيعي، بعد أن تجاوز واحدة من أصعب مراحل حياته.
مستشفى المزيني.. ملاذ طبي في زمن الحرب
مثّل مستشفى المزيني التخصصي للأطفال، في تلك الفترة، وجهة طبية حيوية لاستقبال مثل هذه الحالات الحرجة، بما يمتلكه من أجهزة تنفس صناعي، وكوادر طبية وتمريضية مؤهلة، وقدرات على تقديم الرعاية المتخصصة للأطفال.
كما تطلبت حالة «المرضي» تعاوناً وتنسيقاً بين الفريق الطبي بالمستشفى والتخصصات الدقيقة، بما في ذلك المخ والأعصاب والأنف والأذن والحنجرة، في نموذج يعكس أهمية التكامل الطبي في التعامل مع الحالات المعقدة.
وفي ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب، وما صاحبها من صعوبات في الوصول إلى الخدمات الصحية، جسّد المستشفى دوره في توفير الرعاية الطبية للأطفال الذين يحتاجون إلى تدخلات تخصصية عاجلة.
امتنان أسرة.. ورسالة وفاء لأهل العطاء
وعبّرت أسرة الطفل «المرضي» عن بالغ سعادتها بتحسن حالة ابنها وعودته إلى أسرته، بعد رحلة قاسية عاشتها بين الخوف والأمل، مقدمة أسمى آيات الشكر والعرفان لإدارة مستشفى المزيني التخصصي للأطفال، ولكل الطواقم الطبية والتمريضية التي أسهمت في علاجه.
وخصّت الأسرة بالشكر الدكتورة إسراء الطاهر، والفريق الطبي الذي ظل ملازماً للطفل طوال فترة علاجه، كما أعربت عن تقديرها لصندوق إعانة المرضى الكويتي، الذي أسهم في إنشاء هذا الصرح الطبي بمدينة كسلا، ولأسرة المزيني بدولة الكويت الشقيقة، التي كان عطاؤها سبباً في توفير هذه الخدمة الطبية المنقذة للحياة.
إن قصة «المرضي» ليست مجرد رحلة علاج انتهت بالعودة إلى المنزل، بل حكاية صمود أسرة في زمن الحرب، ورسالة إنسانية تؤكد أن المستشفيات التي تحتضن المرضى، والكوادر التي تسهر على راحتهم، تظل منارات للأمل حين تضيق الطرق وتشتد المحن.
من الحصاحيصا إلى كسلا.. رحلة أنهكها الألم، وأنهتها الرعاية الطبية بعودة الأمل إلى قلب أسرة.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *